الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

452

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

هو تكليفنا بما ظهر أنه صلاة أو صوم مثلا إما بالعلم أو الظن الاجتهادي ولم يثبت اشتغالنا بما هو صلاة في نفس الأمر والواقع والقول بأن الألفاظ موضوعة بإزاء الأمور الواقعية فقضية تعلق التكليف بها تعلقه بالأمور الواقعية مدفوع أولا بأن تلك الخطابات غير متوجهة إلينا حتى نرجع فيها إلى ظواهر الألفاظ لو سلمنا ظهورها فيها وإنما المرجع في المقام هو الإجماع على الاشتراك ولم يثبت إلا بمقدار ما أمكننا معرفته علما أو ظنا لاستحالة التكليف بالمحال في بعضها ولزوم العسر والحرج المنفي في أكثرها وثانيا بأن الألفاظ وإن كانت موضوعة بإزاء الأمور الواقعية إلا أن الخطابات الشرعية واردة على طريق المكالمات العرفية ومن الظاهر أنهم يكتفون بظاهر إفهام المخاطبين فلا يجب على الشارع أن يتفحص عن المخاطب أنه هل فهم المراد الواقعي أو لا فإنه مع عدم إمكان إمكانه واقعا لأدائه إلى التسلسل لم يكن بناء الشرع عليه مع ما يرون من اشتباه المخاطبين في الفهم كما يظهر من ملاحظة الأخبار فظهر أنهم كانوا يكتفون بمجرد ظهور المراد والظن به فلم يعلم من الخطابات المتوجهة إلى المشافهين إلا تكليفهم بما بينوه لهم واعلموهم أنه الصلاة أو أمكنهم معرفة أنه الصلاة ولم يظهر أن الخطابات المتوجهة إليهم كان خطابا بما في نفس الأمر مع علم المخاطبين حتى يلزمنا ذلك من جهة الإجماع على الاشتراك فمحصل الكلام أنه لم يثبت حصول الاشتغال ووقوع التكليف إلا بمقدار ما دل عليه الدليل عندنا إما بطريق العلم أو الظن المعتبر وما زاد عليه ينفي بالأصل فالقول بأنه بعد حصول الاشتغال لا بد من اليقين بالفراغ مدفوع بأن المتيقن من الاشتغال ليس إلا مقدار ما قام الدليل عليه فينفي غيره بالأصل فإن اعتبار كل جزء أو شرط تكليف زائد ولذا يعبر عنها بالأوامر والنواهي في الغالب كسائر التكاليف الرابع الأخبار الواردة في المقام الدالة على رفع التكليف بغير المعلوم وأن لا تكليف إلا بعد البيان مما تقدمت الإشارة إلى جملة منها فإنها شاملة لمحل الكلام وبعد دلالتها على ارتفاع التكليف بها يتعين التكليف بالباقي فيكون المستند في حصر الأجزاء والشرائط المعروفة بها إثباتا ونفيا هو التوقيف من الشرع أما إثباتا فظاهر وأما نفيا فلما عرفت من الاحتجاج عليه بالأخبار المذكورة فيكون تلك الأدلة بعد انضمامها إلى هذه الأخبار مبينا لحقيقة تلك المجملات غاية الأمر أن يكون بيانا ظاهريا كاشفا عما تعلق به التكليف في ظاهر الشريعة وإن لم يكن كذلك بحسب الواقع كما هو قضية أصالة البراءة في سائر المقامات فإن قلت بعد فرض تعلق الأمر بالمجمل وعدم انكشاف حقيقته من الأخبار المبينة لها يكون المأمور به مجهولا لأداء جهالة الجزء إلى جهالة الكل وقضية الأخبار المذكورة سقوط التكليف بالمجهول قلت قد قام الإجماع من الكل على عدم سقوط الواجب من أصله ووجوب الإتيان بالأجزاء المعلومة قطعا وإنما الخلاف في لزوم الإتيان بالمحتملات وعدمه وقد عرفت أن قضية تلك الروايات السقوط الخامس أن أصل العدم حجة كافية في المقام مع قطع النظر من أصالة البراءة فإن الأصل في المركب عدم تركبه من الأجزاء الزائدة وعدم اعتبار الشروط الزائدة فيه وأصل العدم حجة معروفة جروا عليه في كثير من المقامات السادس القاعدة المعروفة عندهم من الأخذ بالأقل عند دوران الأمر بينه وبين الأكثر وهي جارية في المقام وقد جروا عليها في مواضع كثيرة السابع أنه كيف يصح الحكم بوجوب ما احتمل جزئيته أو شرطيته وقد قامت الأدلة على لزوم استنباط الأحكام الشرعية من مداركها المعينة وعدم جواز الأخذ بمجرد الاحتمالات القائمة من دون استناد فيه إلى الأدلة الشرعية من ظنون مخصوصة أو مطلق ما أفاد الظن على القول بحجيته ومع البناء على الجزئية أو الشرطية فيما احتمل جزئيته أو شرطيته يرجع الأمر إلى الاكتفاء في إثبات مثل ذلك بمجرد الاحتمال وهو خلاف ما قضت به الأدلة ودل عليه النصوص القاطعة بل وما هو المعلوم ضرورة من الشريعة المطهرة ثم إن هاهنا مسلكا آخر في الاحتجاج مبنيا على ادعاء نفي الإجمال في تلك الماهيات وورود التكليف بها على حسب البيان وهذه الطريقة وإن كانت خارجة عن محل الكلام إذ المقصود هنا إجراء الأصل مع الإجمال ليكون الأصل المذكور من جملة ما يوجب بيان ذلك الإجمال بحسب الظاهر إلا أنه مشارك لما ذكرناه في الثمرة ولذا ذكرناه في طي أدلة المسألة وقد احتجوا لذلك بوجوه الأول أن التكليف بالمجمل وإن اقتضى بحسب اللغة التكليف بما عليه ذلك المجمل في نفس الأمر فيجب الإتيان بجميع أجزائه الواقعية إذ المفروض تعلق الأمر بتمام تلك الماهية إلا أن أهل العرف لا يفهمون من ذلك إلا التكليف بما وصل إلى المكلف وظهر لديه وقامت الأدلة عليه لا يكل ما يتوهم دخوله فيه واندراجه فيما تعلق الأمر به ألا ترى أنه لو قال أكرم كل عالم في البلد وتصدق على كل مسكين فيه وأهن كل فاسق منهم لم يفهم من ذلك عرفا إلا تعلق الأحكام المذكورة مما علم اتصافه بإحدى تلك الصفات المذكورة بعد بذل الوسع في الاستعلام وتبيين الحال فلا يجب إيقاعها بالنسبة إلى كل من يحتمل اندراجه في أحد المذكورات لما يتوهم من لزوم الأخذ بيقين البراءة بعد اليقين بالشغل فلا تكليف بها إلا على النحو المذكور والمفروض الإتيان بها كذلك وهو قاض بحصول الأجزاء والامتثال ولا يلزم من ذلك دخول العلم في مدلول الألفاظ بل لا يوافقه أيضا في الثمرة لوضوح وجوب الاستعلام في المقام بخلاف ما لو تعلق الحكم بالمعلوم وإنما ذلك رجوع إلى العرف في تقييد ذلك الإطلاق حسبما ذكر الثاني أن قضية القاعدة في تلك الألفاظ المجملة هو الحمل على المعاني الشرعية إذ لو قلنا بثبوت الحقيقة الشرعية فلا كلام وعلى القول بعدمه فالمفروض قيام الدليل على إرادة المعاني الشرعية وإلا فلا إجمال في معانيها اللغوية والمعاني الشرعية ليست إلا ما صار اللفظ حقيقة فيها عند المتشرعة كما هو معلوم من ملاحظة موضع النزاع في الحقيقة الشرعية وحينئذ فالمرجع في تعيين المعاني الشرعية إلى عرف المتشرعة ولا إجمال في فهم العرف عن تلك الألفاظ لوضوح اشتهار المعاني الشرعية وبلوغها إلى حد الحقيقة ومن الواضح ظهور المعاني الحقيقة ونفيها عند أرباب الاصطلاح